خلفَ ستار .. ( لأجله ، فقطَ )

سنعيد ترتيب الأدوار هذه الليلة ، فخشبة المسرح تعم بالفوضى

سترتدي أنتَ قناعك الألفي ، وستقف في الجانب الأيسر  ، حاملاً بيدك عقد زهور ، وذكرى

وسأرتدي أنا ، قناع الزنبقة ، تلكَ التي ما فقدت أملي إلا بها ، وسأقف في الجانب الأيمن

وخلف الستار ، سيصطف الكثير من الصامتون ، المتلصصون على حرمة الصمت

وجمهورنا العزير ، سيخلع كافة مساحيق التجميل التي يصطنعها ، وسيكون لأول مرة صادقاً

تبدأ المسرحية ، بتصفيقهم الكاذب ، لا لأنهم أحبوا عرضنا ، إنما لأنهم متلهفون لهتك سر الحقائق

يبدأ الستار بالانسحاب رويدا رويدا ، والضباب يعم شاشة المسرح ، حتى لكأنه لا تكاد ترى

يتوسط تلك الغيمات ، صوت أنين ، طفل صغير يبكي ، وبه جرح كلما حاول لمسه ازادا بكاءه ألما

يتجول وسط تلك الألوان التي لا يدريها ، وجرحه يكبر ، حتى لكأنه ما عاد سوى جرح متحرك

يرمي بأثقال نفسه ، في خوف ، في أحضان شجرة  ، لازال للحياة بها من ملامح

يحاول أن يخفي ذاك الألم الذي به ، فهذه الغابة مليئة بالوحوش ، الذين يغذيهم أنينه

ممصتوا السعادة ، وكم هو الآن بلا تلكَ السعادة ..

يلملم نفسه على نفسه ، ويغرق عيناه في قلبه ، يتفقد أجزائه كاملاً ، بحث عن ثقب جديد

ليخفيه ، ويغمض جفناه ، أملاً بأن ينقشع ذاكَ الضباب ..

تسرقه روحه إلي عالم آخر ، مليء بالورد ، والدفء ، وشمسه أبداً لا تغيب

وأحلامه ، تلكَ التي هي فوق حدود الوصف ، وكأنما هي أقرب للحقيقة الآن

يرى نفسه  ، مبتسماً ..

وبقربه ، جدول من حنين ، وفوقه سماءٌ صافية لا يعبرها ، سوى النوارس

يذكر أن تلكَ النوارس تكن دوما بقرب اليابسة ، أي هناكَ ميناء قريب

يسرع راكضا إليه ، فيجد سفينه ، ربانها الوحيد هو  ، وراكبها الوحيد هو ..

يستغرب من تلك المدينة التي لا أحد فيها سواها ..

يحزن لوحدته ، فيها ..

يتسلل إليه البرد ، وتبدأ الغيوم باقتضام قرص الشمس ،

وتقترب النوارس منه ، تحميه من حزنه ذاك ، تداعبه حتى يبتسم

يطمئن إليها ، ويبتسم ..

فتعود الشمس أكثر إشراقاً من ذي قبل .. وتبقى النوارس ترفرف بالقرب منه .. وكأنما لا تنتمي إلا

إليه ..

يبحر من ميناء السلام ذاك ، يتجول في أنحاء الجزيرة ، لعله يكتشف أين هو ..

وينتهي الفصل الأول ..

يبقى الجمهور في صمت شديد ، ينتظرون باقي تفاصيل المسرحية

فأحدهم لم يستطع أن يفهم شيئا ، سوى أنهم جميعا يحسدون ذاك الصغير ..

يغلق الستار ..

وتنزع قناعكَ الألفي ، فتزداد همسات المتفرجين ، وكأنهم يستطيعون اختراق الستار بعيونهم

المتعطشة للموت ..

تحاول هي إخفاءك عن أعينهم ، حتى لا تخترقك عبراتهم ، ونظراتهم ، فتصبح هشاً سهل القراءة

يقترب المخرج ، ويخبركم بأنه حان الموعد ..

ترتجف يداها ،  وتخبره بأنه لا بد من ذلك ، وليطمئن ،  فهو مجرد تمثيل

يعم الصمت من جديد ، تطفأ الأنوار ، حتى لا تكاد ترى إصبعك من خلاله

لكأنه بدأ يلتهم كل شي ، وتسحب الستارة من جديد

وينتشر الضوء ، ويعمي كل من له قلبٍ أسود ، فيستمر لا يرى

وأولئك القلة ، من بقي لديهم من البياض شيء يستطيعون تميز ما به

كبر الصغير ، وبات كيانا من أبيض ، بياضه الساطع أبهى من أن ينظر إليه أولئك الكاذبون

ولازال يتجول في جزيرته لوحده ، ألفها ، ألف مائها وترابها  ، هوائها ، ووردوها  ، وميناءها

إلا أن تعطشه للمعرفة يقتله ، حاول الخروج من تلك القيود ، يريد أن يتعرف ماذا يوجد خلف ذاك

الشغاف الأبيض ..

لأول مرة ، تأتينه النوارس بضيف ، مثله تماما .. ( صاروا ألفا .. هكذا يهمس لنفسه )

في البداية يخاف ، فمنذ زمن لم يرى أي شيء يشبه ..

ثم يألف إليه ، فهو مثله تماما ..

إنما ، به صمت أكبر ,

وذاك الصوتُ الذي أعتاد أن يسمعه حينما تزداد به غربته ، بات يضعف

كأنه ، بدأ بالمغيب

يذكر ، ذات ليلة قمرية ، والسماء صافية ، و النوارس تداعب وجه الماء

وصفاء صورته ينعكس  عليها ، بأنه أحس بأن هناك من معه

جاءه نورس من بعيد  حاملا بمنقاره وردة ، وكلما اقترب النورس منه ، ازداد لون الوردة أسوداً

حتى كأنما باتت كما اللؤلؤ ..

لازال يتعهد تلكَ الوردة بمحبته ، حتى غدت بستانا من نسيان

وكلما اضطرب قلبه ، تمطر السماء ، فيغدوا الأسود أبيضا ناصعا

ذاك التناقض الغريب بين الأسود والأبيض ، يدفعه للابتسام ..

تزداد همسات جمهور الحاضرين  ، فهم ملوا من المشاهدة فقط

اعتلى أحدهم الجنون ، واخترق صمت المسرح ، واقترب من ذاك الساكن الوحيد

أخاف النوارس ، فبدت تهاجمه بمنقارها ، لكنه كان أقوى من أن يتوقف

لا يدري من أين أتته تلك القوة ، فوقف يواجهه ، لوحده .. حاملا بقلبه عهدا

ذاك المتهور ، لا يدري بأنه قد حكم على نفسه بالموت ألما ،

لا يعرف بأن تلك الورود لها أشواك ، وقد تكون أشواكها سامة جداً ،

وأن تلكَ السماء التي أعجبه صفاءها وهو يجلس متفرجا ، قد تمطر ناراً

وان ذاك الطفل – الذي يحسبه طفلا – هو ليس بطفل إلا بحضرة نفسه وأمه ..

دنس ذاك الغريب ، جدر القلب ..

واستمات الصغير في الدفاع عنه ، حتى عاد أبيضا كما كان

جاءه الصوت من جديد ، هامسا إليه ، لازلت أنتَ ساكني الوحيد

واختفت الأضواء من جديد ..

وأغلق الستار ..

قلة من فهموا ماذا يعني ما حصل ، إلا أنهم صفقوا كثيراً

وبقينا نحن الاثنان بأقنعتنا صامتين متفرجين  ..

ازداد عدد المتلصصين من خلف الستار ..

سارع إليه المخرج قائلا : مبدعٌ أنتَ .. لازلت أخبرها أنني أجدتُ أختيارك لهذا الدور

فتهرب منها دمعة ، رغم تمنع هدبها

يرفع الستار من جديد ، معلنا عن الفصل الأخير من المسرحية

مدة المشهد : خمسة عشر دقيقة

تبادل الجميع الأدوار ، اعتلى الجمهور خشبة المسرح

ونزل الممثلون ليجسلوا على مقاعد المشاهدة

عمت الفوضى في المكان ،

وبقي المشهد هكذا ..

هم .. يمثلون ، ونحن فقط .. نستطيع خلع خمار تلكَ الأقنعة المزيفة ، فنحن نعرف من هو خلف

قناعه ، ومن هو لازال مزيفا بقناعه ..

إنما .. بقيت بين الحضور .. طفلة ..

أعجبها صمت ذاك الممثل ، ولم تشأ أن تتبادل الأدوار .. أعجبها أن تبقى دون قناع

وان تراه بلا قناع ..

أحب فيها كل شيء ، وتناسى أنه ممثل وهي متفرجة ..

وحينما ، آن الآوان ..

أمطرت السماء مطراً من ألم على جميع من يعتلون خشبة المسرح ..

وازداد جرحه تفتحا ، حتى بات لا يتقن إلا أن يحيا بها وبدونها

تركَ .. لقلبه مساحة أكبر ..

وذهب في صمته ليشهد محاكمته ..

وعاد ، محملاً بحكم الإعدام لتلكَ اللحظة ..

أفاق من نومه فزعا ، وتدارك أنه ما كان سوى حلم ..

عاد لكتبه ، ذاكراً للتحدي ..

ومنتظراً حروفا أخرى لكي يحيا ..

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.